السيد محمد حسين فضل الله

299

من وحي القرآن

المشجعين لها ، وهذا ما نستوحيه من الآيتين اللتين تحدثنا عن الأوضاع القلقة للحياة في واقع الناس الفاسد من الخوف والجوع والفساد ، كنتيجة طبيعية لأعمال الناس . في هذا الجوّ ، يمكننا أن نقول إن الأشياء كلها ترجع إلى اللَّه لأنه الذي خلق السبب وربط بينه وبين المسبّب ، ولكنه ترك للإنسان فرصة المباشرة بإيجاد السبب ، فلو لا أنه خلق الإنسان وخلق معه الإرادة ، لما كانت هناك معصية ولا طاعة ، ولولا أنه خلق العلاقة بين الإرادة المحاطة بظروفها العادية وبين الفعل المراد ، لما تحقق الفعل ، ولكن ذلك كله لا يمنع من نسبة الفعل إلى الإنسان الذي يملك أن يريد أو لا يريد ، فيصنع المأساة ، أو يصنع الفرح ، وبهذا الأسلوب يؤتي اللَّه الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء ، من خلال الظروف السلبية والإيجابية الاختيارية وغير الاختيارية من دون أن يعني ذلك موافقة على نتائج هذا أو ذاك في ما إذا كانت النتائج بعيدة عن خط الخير . وهكذا إذا تحدثنا عن العز والذل ، فإن اللَّه يذلّ من يذل نفسه ويعز من يعز نفسه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . ويظلل الإنسان هو الذي يصنع مصيره من خلال حسن اختياره للأسباب وسوء اختياره لها ، سواء في ذلك الإنسان - الفرد في القضايا المتصلة بالمصير الفردي ، أو الإنسان - المجتمع في القضايا المرتبطة بالمصير الجماعي ، وبعد ذلك ، لا معنى للسؤال كيف يؤتي اللَّه الظالم الملك ، وكيف ينزع الملك من العادل ، فإن القضية واقعة في نطاق إرادة اللَّه من خلال طبيعة الربط بين النتائج والمقدمات ، ولكنها تنطلق في خط إرادة الإنسان من خلال ممارسته للمقدمات التي توصل إلى تلك النتائج . وقد جاءت الأحاديث المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام في موضوع العز والذل في مدلولهما الروحي والمادي ورجوعهما إلى سوء اختيار الإنسان وحسن اختياره . فقد ورد في بعض الكلمات المأثورة : « من أراد عزا بلا عشيرة وغنى بلا مال ،